ضجيج الــــــــــروح

وحـــــــــــي قلــــــــم

روتين …. صور إنسانية برؤية فلسفية

تشعر وأنت تقرأها وكأنك تشرب كوب قهوة سوداء دفعة واحدة مستسهلا ذلك فيما هي تفعل الأفاعيل في داخلك….

قبل عام مضى صدر للكاتب الاستاذ عبدالواحد اليحيائي كتابة الفكري الأول ( مراجعات الماشي) يحمل رؤيته الفلسفية الخاصة عن الحياة والفن والفكر ومشغولا بالإنسان في كل أحواله. مؤخرا صدرت مجموعته القصصية الأولى والتي اختار لها أن تكون صورا قصصية أطلق عليها اسم روتين تحوي (22) صورة قصصية مشغولة أيضا بالإنسان بكل ما فيه من تناقضات وانعكاسات مشاعره سلبا أو إيجابا , في إطار لغوي متوسط بين اللغة العربية الفصحى شديدة الخصوصية وبين اللغة الفصيحة الدارجة والسهلة الممتنعة في نفس الوقت , وباسلوب سردي يتناسب مع كافة أعرض شريحة ممكنة من القراء والمتلقين.

تنوعت الصور القصصية في موضوعاتها وشخوصها إلا أنها تقاسمت سمة واحدة وهي رؤية الكاتب لهذا الإنسان وطريقته الفلسفية في معالجة همومه ومشاكله, وإخراجها في لوحات فنية بتداخل جليّ بين فلسفته الخاصة وهذا الفن القصصي المشغول بالإنسان, وكان لكل شخصية منها خصوصيتها الشديدة لدى الكاتب و لدى القارئ بشكل خاص ربما لتلك التلقائية والعفوية الواضحة التي تتسم بها هذه الشخصيات فهم يفضون بخصوصيتهم في المواقف دون تكلف ولم يشعر القارئ أن الكاتب كان يتصنع في خلق ابطاله أو يتكلف في خلق الأوضاع المحيطة بهم أو في طريقة تأثيرها وتأثرها, بل كان يفهم الواقع النفسي لشخوصه ويجري بينه وبينها حوار ذاتي قبل ان يرسمها على صفحات الورق, ولم يهتم كما يبدو بالمقدمات أو التحليل النفسي أو الصور المبالغ فيها, وترك لكل شخصية حرية الحركة والتعبير عن مشاعرها بعفوية تامة ودون ان يفقد السيطرة عليها وعلى تحركها في زوايا النص, ودون أن يطبع عليها طابعه الذاتي, وهذا من شأنه أن يجعل القارئ يشعر بها وهي تسكنه وتستقر في وجدانه معبرة عن دواخل نفسه وكأنه المعني بهذا وفي محور الاهتمام, وقد تكون هذه العلاقة النامية بين شخصيات القصص والقارئ هي من أهم الاسباب التي تجعل القاص المتمكن أن يتجنب كتابة صورة القصصية بلغتة التي يفترض أنها لغة مثقفة جدا وعوضا عنها يستعين باللغة الوسيطة السهلة كي يمد جسور التواصل بين أبطاله وقارئه, وكي تتوثق العلاقة وتتلاشى الحواجز وتخرج حياة ممتدة من داخل النص لتقابل الحياة الأخرى النابعة من روح القارئ والمتفاعلة مع ما يجري من أحداث لأبطال النص .

نماذجه القصصية التي استقاها من واقع الحياة في مجملها هي الإنسان في مراحل عمره المختلفة وما يعتريه من تغيرات وتطورات… ضيق, سأم, قلق, حب. ألم, حنين, فقد , شوق . وإن كانت شخصيات بسيطة ليس لها سمات بارزة إلا أنها كانت بالقدر نفسه مليئة بالمشاعر والعاطفة القوية… مسن, رجل, امرأة, طفل, أم, أب…. الحيوان أيضا والأشياء الجامدة التي انسنها الكاتب وأسبغ عليها شيئا من صفات الانسان كي تكون جسرا لفكرة أو أراد منها أن تقول شيئا أو مقارنة ما….
في كروان كتب يقول
(…. وأجدني أردد معك باسما صصص كررر …. وأتاملك وأنت تأكل وأعابثك إذ تشرب الماء وأضاحكك من دنياي الكبيرة وأنت تنتقل من زاوية لأخرى وأدعك تحلق من غرفة إلى غرفة……الخ) هذه القصة تعبير عن فكرة فلسفية هي الحرية والضرورة والحياة الأخرى التي تسكن معنا وتعاشرنا في حياتنا والماثلة هنا في طائر الكروان…
وفي تقمص كتب يقول
(… أخيرا تقمصته وضع عقبي في منفضة بللها بالماء
تأملتني بعينه
وأحسستني وأنا اتخلق في ذاته
وشعرتني وأنا أنطلق في فضاءاته ….

روتين صور قصصية استغنت عن الثرثرة والاستطراد والتعبيرات الخيالية المبالغة, وقدمت نفسها بلغة كثيفة مستلهمة تفاصيل الواقع لتقدمها بقراءة جمالية ولغة فيها مزيج من الغناء والدراما والبكاء والضحك والوصف والرصد والتتبع.

لحن من الـــــروح

لم تكن قاسيا ..
كنت رقيقا كالورد الندي
حنونا كالنسمة الباردة ..
لكنك لم تدع لي الفرصة الكاملة كي اقول لك….أحبــــك

من أنت كي أطير إليك كفراشة بلا وطن ؟
من أنت كي ترسمني في عينيك أنثى غواية متمردة ؟

هل كنت مغرمة بالسير في طرقاتك ؟
أم كنت تخطفني إليها
لتهدهد روحي ما بين حلم وأمل ؟
ورجوتك ألا تفعل ..

ألا توقظ ألوان الصخب في دمائي
ألا ترسم رجولتك في مساءات أيامي
ألأتزرع فيّ كل هذا الفرح الطارئ
ألا تعزف لحنا للأمل ما بين قلبي وأنتظاري
ألا تراقصني على أوتارك منهكة
فلكم شعرت أن روحي تتلاشى فيك كقطرة شاردة عن موعد المطر
كلما امعنت في اقتحام وجعي وكلما حاصرني قلبك بالرغبات
لكنني ما زلت أغلق النافذة وأتذرع بالبرد كي لا يحملني الشتاء لمزيد من الشوق إليك….

ضجيج الــــــروح

نسمة الهواء الآتية من خلف ليل كئيب تلامس بشرتي , تنفذ في مسام جلدي , تحدث ضوضاء وجلبة في أوردتي , توقظ كابوسي الليلي المتربص . أتقدم بخطى متثاقلة ممسكة بطرف الستارة الرقيق الذي لا يكاد يخفي ما وراءه, أصاب بدوار فأبحث عن متكأ يسندني , أقف قبالة المدينة النائمة أواجه الصمت والنظرات الفاترة لعيون بعض العابرين والمتسللين تحت جنح هذا الليل .   

التفحص المريب لبعض العيون يقلق وقوفي هناك على الشرفة… يصبح الهواء خانقا  فأتوارى خلف صمتي وستار الشرفة الرقيق , ثم أعود اسحب بصري تجاه أنوار المدينة البعيدة الخافتة , زرقاء , حمراء , وأخرى بيضاء شاحبة  تتجاور في غير انتظام وكأنها حبات عقد أفٌلتت وتناثرت في بقاع متفرقة.

         

          سكينة تنعم بها هذه المدينة الوادعة وضجيج هنا في رأسي يُشعلني , يملأ عقلي بجمل ملغومة , اسئلة حائرة , غصة تقف في حلقي , تتباطأ أنفاسي تصبح أكثر ثقلا وكأن الهواء تلاشى واحترق , فمي ظمآن, رأسي تمور به همسات وأصوات تتعالى وصرخات تجعلان المنظر الساكن قبالتي أشبه بقاعة تعذيب , منصة إعدام … أرى وكأني أتقدم لها ببطء شديد عارية لا شي يسترني , أنفاسي تهرب من جوفي , العيون تلاحقني تختلس النظر لجسدي العاري , والأفواه تتهامس بجريرتي , الأيدي تتجاذبني . 

 ثمة غيظ يتفجر في شراييني , يغلي في رأسي كما البركان , يخيل إلي أنني أضع قناعا على وجهي , أتحدث لغة بتعبير سري مبهم , أقف أمام حشد كبير جاء يشهد لحظة الحقيقة كما صرخ أحدهم .    أجازف باختراقه , أتلقى شتائم ولعنات لا التفت لها , أحاول شق الصفوف أن أصل لذلك الباب البعيد , أشعر أني اقترب ولا اقترب , يداي تنزان عرقا , تنزلقان وقدماي تصبحان أكثر ثباتا في الأرض وكأنهما جذور خرجت من جوفها  , الحشد يتزايد من حولي والدائرة تضيق وتضيق حتى أكاد اغرق , أطرافي تتراخى وقواي تتخاذل أمامه ويصبح أملي في الفرار ضئيلا .

 

          عبثا أحاول نزع القناع , أصرخ لهم بأنني هي …  أنا هي…!!   لكن القناع ملتصق بجلدي يؤلمني انتزاعه وصوتي يضيع, فأتوقف واهنة والحشد يجرني مرة أخرى متحديا مقاومتي له , وفجأة تمتد يد مجهولة تنتشلني , تحلق بي فوق ذلك الحشد وهو ينفث غضبه محاولا الإمساك بقدماي …..

         

          وبعيدا, أجدني بين وجوه أعرفها ولا أتذكر أسمائها, يسألوني, أخمن أجوبة أجتر صوتي , أحاول استعادة الذاكرة بكلمات ليست واضحة , اصف لهم الحشد والقناع ومنصة الإعدام , لكنهم لا يفهمون … ينسلون بعيدا  واحدا  واحدا .  أعود وحيده والبرد والخوف يلتحفاني ويدان متشنجتان وجسد يتصلب  , تهب ريح هادرة تحمل أصواتا أدركها , تعبرني سريعا تصم أذناي , تخترق جسدي كسهام نارية , اسقط أرضا  وصوت الريح لا يتوقف والكابوس راح يحلق بعيدا تاركا جسدي خرقة بالية ….. يتراءى  لي خيط الحياة ضعيفا  واهنا تعبث به الريح الغاضبة أحاول أمساكه بيدان عاجزتان , أغمض عيناي وأردد صلوات سمعتها في مكان ما  أحاول إبعاد العزلة …. الخوف ….والموت ……. ثم …. أغييب .

هـــذه المـــــــدونة

القصة القصيرة والتي تعد من أصعب الفنون الأدبية , هنا سيكون حديثي عنها فقط 

عرض لمجموعات قصصية لكبار الكتاب والادباء , قراءات نقدية وتحليلية , عرض لأعمالي الخاصة