أرشيف شهر مايو, 2008

ضجيج الــــــروح

نسمة الهواء الآتية من خلف ليل كئيب تلامس بشرتي , تنفذ في مسام جلدي , تحدث ضوضاء وجلبة في أوردتي , توقظ كابوسي الليلي المتربص . أتقدم بخطى متثاقلة ممسكة بطرف الستارة الرقيق الذي لا يكاد يخفي ما وراءه, أصاب بدوار فأبحث عن متكأ يسندني , أقف قبالة المدينة النائمة أواجه الصمت والنظرات الفاترة لعيون بعض العابرين والمتسللين تحت جنح هذا الليل .   

التفحص المريب لبعض العيون يقلق وقوفي هناك على الشرفة… يصبح الهواء خانقا  فأتوارى خلف صمتي وستار الشرفة الرقيق , ثم أعود اسحب بصري تجاه أنوار المدينة البعيدة الخافتة , زرقاء , حمراء , وأخرى بيضاء شاحبة  تتجاور في غير انتظام وكأنها حبات عقد أفٌلتت وتناثرت في بقاع متفرقة.

         

          سكينة تنعم بها هذه المدينة الوادعة وضجيج هنا في رأسي يُشعلني , يملأ عقلي بجمل ملغومة , اسئلة حائرة , غصة تقف في حلقي , تتباطأ أنفاسي تصبح أكثر ثقلا وكأن الهواء تلاشى واحترق , فمي ظمآن, رأسي تمور به همسات وأصوات تتعالى وصرخات تجعلان المنظر الساكن قبالتي أشبه بقاعة تعذيب , منصة إعدام … أرى وكأني أتقدم لها ببطء شديد عارية لا شي يسترني , أنفاسي تهرب من جوفي , العيون تلاحقني تختلس النظر لجسدي العاري , والأفواه تتهامس بجريرتي , الأيدي تتجاذبني . 

 ثمة غيظ يتفجر في شراييني , يغلي في رأسي كما البركان , يخيل إلي أنني أضع قناعا على وجهي , أتحدث لغة بتعبير سري مبهم , أقف أمام حشد كبير جاء يشهد لحظة الحقيقة كما صرخ أحدهم .    أجازف باختراقه , أتلقى شتائم ولعنات لا التفت لها , أحاول شق الصفوف أن أصل لذلك الباب البعيد , أشعر أني اقترب ولا اقترب , يداي تنزان عرقا , تنزلقان وقدماي تصبحان أكثر ثباتا في الأرض وكأنهما جذور خرجت من جوفها  , الحشد يتزايد من حولي والدائرة تضيق وتضيق حتى أكاد اغرق , أطرافي تتراخى وقواي تتخاذل أمامه ويصبح أملي في الفرار ضئيلا .

 

          عبثا أحاول نزع القناع , أصرخ لهم بأنني هي …  أنا هي…!!   لكن القناع ملتصق بجلدي يؤلمني انتزاعه وصوتي يضيع, فأتوقف واهنة والحشد يجرني مرة أخرى متحديا مقاومتي له , وفجأة تمتد يد مجهولة تنتشلني , تحلق بي فوق ذلك الحشد وهو ينفث غضبه محاولا الإمساك بقدماي …..

         

          وبعيدا, أجدني بين وجوه أعرفها ولا أتذكر أسمائها, يسألوني, أخمن أجوبة أجتر صوتي , أحاول استعادة الذاكرة بكلمات ليست واضحة , اصف لهم الحشد والقناع ومنصة الإعدام , لكنهم لا يفهمون … ينسلون بعيدا  واحدا  واحدا .  أعود وحيده والبرد والخوف يلتحفاني ويدان متشنجتان وجسد يتصلب  , تهب ريح هادرة تحمل أصواتا أدركها , تعبرني سريعا تصم أذناي , تخترق جسدي كسهام نارية , اسقط أرضا  وصوت الريح لا يتوقف والكابوس راح يحلق بعيدا تاركا جسدي خرقة بالية ….. يتراءى  لي خيط الحياة ضعيفا  واهنا تعبث به الريح الغاضبة أحاول أمساكه بيدان عاجزتان , أغمض عيناي وأردد صلوات سمعتها في مكان ما  أحاول إبعاد العزلة …. الخوف ….والموت ……. ثم …. أغييب .

هـــذه المـــــــدونة

القصة القصيرة والتي تعد من أصعب الفنون الأدبية , هنا سيكون حديثي عنها فقط 

عرض لمجموعات قصصية لكبار الكتاب والادباء , قراءات نقدية وتحليلية , عرض لأعمالي الخاصة